Category Archives: الكتابة

عبد القادر الفاسي الفهري،الذي وصفه نعوم تشومسكي بال”عبقري…وباحث فريد في تميُّزه”، محاوراً في مؤتمر فكر 13

Untitled-1

بقلم فؤاد وكّاد، صحفي من المغرب

يحاور عبد القادر الفاسي الفهري، رئيس جمعية اللسانيات بالمغرب والحاصل على دكتوراه السلك الثالث بجامعة باريس السوربون في اللسانيات العامة والعربية وفقه اللغة، مجموعة من المتحدّثين حول اللغة العربية بوصفها إحدى أبرز عناصر الهوية العربيّة الجامعة ضمن فعاليات مؤتمر «فكر» السنوي في دورته الثالثة عشرة. سيطرح الفهري مجموعة من الأسئلة حول التدابيرالاحترازية المسبّقة لإفشال شتّى المؤامرات على لغتنا القوميّة.

ويعدّ الفهري من أبرز رموز البحث العلمي في المغرب المعاصر، ويرجع إليه الفضل الكبير في إدخال اللسانيات إلى الجامعة المغربية بصفة علمية دقيقة، وفي تطوير اللسانيات العربية، ومساره العلمي والتكويني يكشف الطينة التي ينتمي إليها هذا الباحث الفذّ. ولد البروفيسورعبد القادر الفاسي الفهري في مدينة فاس في المغرب عام 1944، وحصل على إجازة اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في فاس سنة 1968.

تميَّز البروفيسور الفهري بإنتاجه العلمي الغزير – بحثاً وتأليفاً وإشرافاً ومشاركة في المؤتمرات. وقد نُشر له عدد كبير من البحوث والأوراق العلمية المتعمقة، إضافة إلى تسعة كتب باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، كما قام بتحرير حوالي 20 من الكتب الأخرى والمدوّنات الصادرة عن المؤتمرات. واتَّسمت دراساته بالفهم العميق للنظريات اللغوية المعاصرة والإحاطة بأصولها، وبخاصة نظرية النحو التحويلي التوليدي التي حاول في دأب ووعي أن يطبّقها على اللغة العربية. وقد استمر بالسعي إلى إعادة بناء النظرية النحوية العربية القديمة بأدواتها ومصطلحاتها ومفاهيمها في ضوء معطيات علمية حديثة.

 مجالات عمله

حالياً، يشغل منصب أستاذ الدراسات العليا للسانيات العربية والمقارنة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ومنصب مدير لمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب في جامعة محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط.

حاضر في العديد من المؤتمرات والجامعات الدولية، ضمنها ستانفرد، وإم أي تي، وهارفرد، وليدن، وشتوتغارت، وغيرها من الجامعات.وهو عضو بمجلس أمناء مركز الملك عبد الله الدولي لخدمة اللغة العربية بالرياض وهو المشرف العلمي على مجلة اللسانيات العربية، التي تصدر من الرياض. وعضو أيضاً بالمجلس العلمي لمشروع المعجم التاريخي للغة العربية بالدوحة.

“لم يقم أحد في التاريخ الحديث بنشر المعرفة بالنظرية اللغوية العربية وجلب الاحترام لها بمثل ما قام به هذا الزميل المتميِّز عبد القادر الفهري”

أهمّ إنجازاته
لقيت إنجازاته الرائدة في الدراسات اللسانية العربية والمقارنة تقدير عدد من الجهات، فنال وسام العرش المغربي من درجة فارس وجائزة الاستحقاق الكبرى في الثقافة والعلوم، إضافة إلى جائزة الملك فيصل العالمية. اختير عضواً في مشاريع علمية وجمعيات وهيئات دولية في مجال تخصصه. وعمل باحثاً زائراً ومحاضراً في معهد ماساشوستس في الولايات المتحدة. وقد وصفه عالما اللغويات الشهيران في معهد ماساشوستس أليك مارانتز ونعوم تشومسكي بأنه: “عبقري… وباحث فريد في تميُّزه”. كما قال عنه أستاذ اللغويات في جامعة تريستا في إيطاليا البروفيسور جوسيب لنجوباردي: “حسب علمي، لم يقم أحد في التاريخ الحديث بنشر المعرفة بالنظرية اللغوية العربية وجلب الاحترام لها بمثل ما قام به هذا الزميل المتميِّز عبد القادر الفهري”.

مؤلفاته وأبحاثه

لعبد القادر الفاسي الفهري مجموعة من الإصدارات منها “اللغة والبيئة: أسئلة متراكمة” و”أزمة اللغة العربية في المغرب، بين اختلالات التعددية وتعثرات” و”الترجمة”، و”البناء الموازي”، و”اللسانيات واللغة العربية”، و”أسئلة اللغة”، و”البناء الموازي نظرية في بناء الكلمة وبناء الجملة”، و”الترجمة والاصطلاح والتعريب وقائع الندوة التي نظمها معهد الدراسات والأبحاث للتعريب”، و”التوليد والنسقية والترجمة الألية”، و”المعجم العربي” وغيرها.

يذكر أن الدورة 13 من مؤتمرات فكر الذي تنظمه مؤسسة الفكر العربي ستعقد بمدينة الصخيرات بالمملكة الغربية في الفترة من 03 الى 05 ديسمبر المقبل تحت عنوان “التكامل العربي: حلم الوحدة وواقع التقسيم”.

Share

سفيرنا في سورية محمد إحسان كعدان يفوز بجائزة المقال لعام 2014

أعلن مركز المشروعات الدولية الخاصة  ”CIPE” عن فوز إحسان كعدان بمسابقة مقال الشباب لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام 2014. وقد تحدث كعدان في مقاله “الحلقة المفقودة ودور المجتمع المدني في ملئ الفراغ” عن أهمية المجتمع المدني في الإصلاح المؤسسي في العالم العربي.

إحسان كعدان مشاركاً في مؤتمر فكر 11 “المواطن والحكومات: رؤية مستقبلية”

إحسان كعدان مشاركاً في مؤتمر فكر 11 “المواطن والحكومات: رؤية مستقبلية”

ومن الجدير بالذكر أن مركز المشروعات الدولية الخاصة   ”CIPE” هو جزء من غرفة التجارة الأمريكية في العاصمة الأمريكية واشنطن، وهو يعمل على تعزيز الديمقراطية حول العالم من خلال الإصلاح الاقتصادي.

لقراءة مقال إحسان كعدان الفائز: http://bit.ly/1EJ4Xk6

Share

سفيرة شباب الفكر العربي تنشأ مؤسسة للكتابة الإبداعية

انطلاقاً مما تعلّمته شيماء الشريف، سفيرة شباب الفكر العربي في المملكة العربية السعودية، في المؤتمر الأخير لمؤسسة الفكر العربي والذي انعقد تحت عنوان “تحدي سوق العمل في الوطن العربي: 80 مليون فرصة عمل بحلول 2020″، أحبّت شيماء أن ترتقي بسوية المحتوى العربي المكتوب، باستخدام معايير احترافية موحدة. قالت شيماء في هذا الإطار،

“قمتُ بإنشاء مؤسسة تُدعى مِداد للكتابة الإبداعية تعمل على تطوير المواهب الشابة وحثّها على الكتابة كما تعمل على توفير فرص عمل للشباب من خلال العمل كهمزة وصل بين الشباب وبين الشركات المحتاجة لمحتوى.”

شيماء الشريف

ومن أهداف المؤسسة جعل اللغة العربية الصحيحة لغة متداولة على شبكات التواصل الإجتماعي وتفعيل اللغة العربية في القنوات المتاحة سواء المكتوبة أو المرئية بالإضافة إلى المشاركة في التثقيف المجتمعي فيما يخص عملانية استخدام اللغة العربية في التسويق في العالم العربي.

وهذه أبرز خدمات المؤسسة:

١- كتابة محتوى: هذا النوع من الكتابة يهدف إلى تقديم معلومات لا الترويج إلى منتج أو جهة معينة. مثل: كتابة مقالات في المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية، أو إعادة صياغة محتوى بلغة فعالة.

٢- كتابة نصوص ترويجية: كالدعايات، ومقالات المواقع الإلكترونية والمدونات، والحسابات في مواقع التواصل الإجتماعي.

٣- التنقيح النصي

٤- الترجمة: بين اللغتين العربية والإنجليزية.

٥- حزم الخدمات: بالتعامل مع شركات تصميم جرافيكي، وتصميم مواقع، وشركات إنتاج، وشركات مقدمة لخدمة حزم البيانات.

للتواصل مع المؤسسة: info@medadwritings.com

للتواصل مع شيماء الشريف على تويتر: shaymaalshareef@

Share

متابعة حكايات على الهامش …لنعيد الـتأمل من الماضي لنرسم المستقبل

من مراكش 2010  إلى مراكش 2014. أسئلة مصيرية للأمة العربية

بقلم نوفل الحمومي سفير شباب الفكر العربي السابق في المغرب

في 2004  كانت مراكش في حلتها الجميلة، موعد مع لقاء عربي. كنت بالفعل متحمس، حاملاً حقيبتي كأحد أطر منظّمات وطنية و شاب يحمل حقيبته على ظهره يقطع 5 ساعات بالقطار من مدينة إلى مدينة. اخترت الإقامة في المدينة القديمة مراكش في فندق صغير في حي شعبي مقابل ساحة جامع الفنا التراثية . كنت آنذاك  في بداية مرحلة الشباب أؤمن بمفهوم القومية العربية الحديث عن طريق العمل الميداني وليس الخطابات و الشعارات. وصلت إلى مراكش ووضعت حقيبتي وتوجهت إلى مؤتمر فكر. أوّل من التقيت  في باب قاعة مؤتمرات هو وزير الاتصال المغربي آنداك. وفي السنة التي  سبقتها تحصلت من طرف وزارة الاتصال  باختياري كأفضل عشرة صحافيين شباب وذلك لإطلاقي مبادرة الكترونية خارجة عن المألوف أيامها. يسألني الوزير “ماذا تفعل هنا،هل جئت لتغطية؟”

أجبته “لا، بل لدي دعوة لمؤتمر.” بدأت ملامح الوزير في باب قاعة مؤتمرات تظهر عليها علامات استفهام. ماذا يفعل هذا الطفل هنا. دخلت إلى مؤتمر فكر، الذي كان برعاية ملكية، وبحضور فعلي للأمير مولاي رشيد، مؤتمر محاط بمراقبة أمنية شديدة… وطفل في تصور وزير. كانت تلك سنة 2003 وكانت ثمة ضجة في المغرب لإطلاقي مجلة منتدى الالكتروني و بوابة فيديو الكترونية تفاعلية. كان فيها محتوى خارج عن مألوف آنذاك قبل أن تظهر ضجة التدوين و البرود كاست الحالية. دخلت إلى مؤتمر ببدله رسمية فاكتشفت نفسي و في جو آخر.  كل المسؤولون و المثقفون العرب موجودون و الجميل أن أجد مستوى النقاش معمق. نعم أنا الآن في مؤتمر فكر العرب بين ثقافة التغيير وتغيير الثقافة في حوارات نقاشات عميقة. “شلت  الجاكت” ودخلت في نقاشات عميقة. وكانت قناة ارتي (شبكة راديو وتلفزيون العرب)  تنقل المؤتمر مباشرة. وبعض الأصدقاء الذين كانوا يشاهدون المؤتمر مباشرة يهاتفونني ممازحين: “نوفل، أخيراً سننتخبك  أمينا عاما للجامعة العربية!” و أجيبهم “يا ليتكم كنتم معي وهذا نقاش أهم وأقوى من الجامعة العربية. وياليتكم كنتم معي مع المجموعة من الطلبة من دول الخليج حيث نلتقي ليلاً في جامع الفنا في حوار بناء، يزرع الأمل و التفاؤل. وضد ثقافة التيئيس التي وزعها بعض النخب العربية التقليدية في الاختلاف من اجل الاختلاف.”

naoufal

رفقة سمو الأمير خالد بن الفيصل مراكش 2004

واليوم أنا في مؤسسة الفكر العربي التي تمنحنا حرية التعبير، والتفكير في رسم مستقبل العالم العربي. بعدها بسنوات، كانت لي فرصة لحضور مؤتمر الشباب العربي والإصلاح في الإسكندرية. التقيت بأحد الأصدقاء من طاقم فكر مصادفة جعلتني أحن إلى الذكريات الجميلة. يا ليت كل شباب العرب يعيشون التجربة التي عشتها والتي أعطتني طاقة للعمل في العالم العربي. وبعدها تفاجأت أن مؤسسة الفكر تسمع لأصواتنا وأحاسيسنا الداخلية. أنشئ برنامج الشباب بعمل جدي من طاقم فريق عمل فكر. بالنسبة لي أول برنامج شبابي مستقل في العالم العربي يجمع نخبة كبيرة من فاعلين شباب لديهم وعي فكري كبير ومتجدد، صعب أن تجده لدى النخب التقليدية  التي صدأ تفكيرها. و فرحتي التي سأحكيها يوم ما  لأحفادي أو أولادي إنني كنت من الجيل الأول في برنامج الشباب لمؤسسة الفكر العربي التي راهنت على الشباب بشكل جدي ونجحت في أن تساعد العديد من شباب العرب في حياتهم. تجده سفراء شباب الفكر العربي يدير مبادرة ما أو يقود تغيير ما أو إعلامي مشهور أو ناشط معروف. مؤسسة الفكر العربي  بعد إقامتها برنامج الشباب، استطاعت أن تخلق جيل جديد بفكر جديد. شكراً لكلّ من ساهم في خلق البسمة للعديد من الشباب. شكراً لسمو الأمير خالد بن الفيصل وشكراً  لصديقنا الشاب الأمير بندر بن خالد الفيصل. شكراً لطاقم عمل مؤسسة الفكر العربي والمدير التنفيذي لمؤتمرات فكر سعادة الأستاذ حمد العماري والمدير الإداري لمؤتمرات فكر ومديرة برامج شباب.

ياليت الجامعة العربية فيها روح العمل التضامني والحب والإخاء الذي نعيشه في مجتمع عربي مصغر داخل الفكر العربي، الذي جمع كل التيارات والأفكار والاختلافات في مكان واحد وهدف وحيد ألا وهو مستقبل العرب بالاعتزاز بالهوية العربية. بفضل المبادرات القيمة العالم العربي بخير اليوم في مؤسسة الفكر العربي. تعلمت أن قيمة الإنسان التواضع حيث يجلس أمير مع شاب ليسمع له ويتبادل معه الحوار البناء. تلك القيمة الأسمى للإنسانية أنه يؤمن بكل إنسان له عقل يفكر ويبني.

أسئلة مهمّة كانت في مؤتمر فكر في مراكش العرب بين ثقافة التغير و تغيير الثقافة. سبقت الواقع الحالي في العالم العربي مؤشرات استباقية ،لم يفهمها أصحاب القرار في العالم العربي، وذلك أنه من الضروري الإصلاح العربي من الداخل و احترام إرادة وتفكير الناس. من كان يتابع نقاش مؤتمر الفكر العربي في مراكش 2004 سيتأكد أنّ النقاش كان سبقاً إلى دعوة إلى إصلاح عربي داخلي يحترم الهوية العربية و يحصن الأمة العربية من أي حراك خارجي يستهدف الخلل الداخلي يعمل على تكسير متانة الهوية العربية. مؤتمر فكر في مراكش 2004 تنبأ بالواقع الحالي للعالم العربي، وبعد عشر سنوات يعود مؤتمر فكر إلى مراكش المغربية في  نهاية 2014 بموضوع مهم يرسم المستقبل. سيناقش مؤتمر فكر في مراكش موضوع مهم ويعطي مؤشرات هامة وعلى النخب العربية أخذها بمحمل الجدّ. موضوع مهم ومستقبلي هو  “الوطن العربي: بين حلم الوحدة وواقع التقسيم”.

Share

شوق وقيود

15/8/2011م

منزل صديقي (غرفة الضيوف).. الساعة 3:45 فجراً

أمي.. ضاقت على ولدك السبل.. بين قلب لاهٍ.. وروحٌ معلقة.. يهدني الشوق يا أمي وتقيدني الذنوب.. تحملني الذكرى فأطير، ويصدني الواقع فيرديني.. لم أستطع التحرر من قيودي.. هل لأنني لم أجد يداً تحررني أم أنني أعشق قيدي.. حاولت مراراً، والحقيقة أنني حاولت مجتهداً.. وفي كل مرة أطير أسقط.

تذكرت منظر طائر أصيب وحاول الطيران، كنت أراه يقفز ويرفرف بأجنحته كأنه غريق، لم يكن خفقان الأجنة منتظماً بما يكفي لحمله، ولم يفقد الأمل ويرضى بواقعه، رأيته وعينه تنظر إلي وقد أوشكت أن تخرج من رأسه، ثم يقفز ثانية ويصطدم بكل شي، بالجدار وبالحديد ويحاول أن يبتعد عني فيقع في كل مهلكة تحيط به. حاولت أن أساعده فقط.. ولكنه قاوم وقاوم وفي النهاية قضى وحيداً..

المبادئ ثقيلة، والحياة حادة، نحمل ثقل المبادئ على شفرة الحياة الحادة فتمزقنا، تدمي أطرافنا ويخترقنا الألم وتشم السباع رائحة الدم فتنهشنا، ولاكف يذود عنا، وأيدينا مشغولة بما نحمل.

ثقل المبدأ يعادله ثقل المعصية، حين تشتد سواعدنا تقصمها المبادئ، وحين نضعف تكسرنا الشهوات، فيمزقنا الألم في كل الأحوال، سعيد من رحل، هكذا نظن، لاندري ولكن نحسب أن الموت نهاية معاناة وهو كذلك، ولكنه باب آخر لمتابعة ماحملناه معنا. كم مرة طافت الأشواق في خلدي؟… أنا حياتي تبعثرها مسافاتي.

الشعور بالثقل مريح بقدر تعبه، تأنس أرواح له فتتعلق به، ترفض المدنية والراحة وتطلب التعب والارتحال، طيور بعثرتها الهجرة، ولم تألف طريقاً تعود منها لموطنها، فلاموطن لها لتعود إليه.

في طريق الهجرة يصطادها الآخرون، وتهجرها الطيور، الريش المغبر المتسخ رداء يحسدونها عليه، كان لامعاً ذات يوم، من يعرفهم سيشي بهم، سيتقاسم الآخرون قوادمهم، حتى في مساحات الفضاء شعروا بالازدحام، فلا الأرض وطن، ولا الجو وطن، يتعبون من أجل قبر وكفن.

راقب طائراً يفلي ريشه، سيعجبك منظره، ستلاحظ اهتمامه بنظافته وتسوية أطرافه، هل رأيت طائراً وقت الصيد؟ في لحظة تضربه الرصاصة ويختلط الريش المنسق بالدم، ويقع ينتفض، ونظراته تشرح لك معنى الطائر المصروع، ثم وبهدوء ترحل روحه، لو كنت صياداً سيهمك أن تسارع لذبحه قبل أن يموت، لن تهتم بالدم والنظرة والريش المتكسر.

هذه الطيور أسعد حالاً من الغريب، لانبت يثبت في غير تربته، ولا أرض يمكن أن ينتشر فيها الأحرار ليثمروا، ستراهم كالجذوع الضخمة منطرحين على الأرض وجذورهم مرتفعة كأنها تحاول الامتداد في السماء بعد أن فقدت الوطن في الأرض.

من لم يجد ثباتاً في الأرض سيجده في السماء، ولكن أين طريق السماء؟ كثرت الطرق الوهمية كالسراب، نجري خلفها خوف الزحام ونصل لنجد الآخرين يشمتون ويطعنون، طريق السماء واسع، مساحات السماء واسعة، الجو كله طريق، وتنكسر الأجنحة من جديد.

أقول لنفسي لو أنني أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته أن يدعوا لي بالثبات، ثم بطولة العمر في الغربة على فرس من جبهة لجبهة.. ليس خوفاً من الموت، ولكن حباً في الجهاد.. لقد عرفت قلبي، لاحب يستقر فيه غير حب الجهاد.. كأنني أعشق التعب، هنا سلاحي، هنا قلبي، هنا مالي… هنا رحيلي وأشواقي وآهاتي.

هنا المنايا تغازلنا فنخطبها… فتطلب الدّم، فلتنعم بأناتي.

أغمضت عيني فمساحات الظل محظورة لاتظهر خارج نفسي، لابد أن أعود إلى اخفائها فالبوح قاتل.

Share

دور الترجمة في الإقلاع الحضاري

إعداد: مُحَمّد سَعيد الرّيْحَاني

 

مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين، صارت الحاجة إلى  “نظام عالمي جديد” مطلباً إنسانياً وحلماً يراود البشرية بأكملها وكان السبيل إليها هو دمقرطة الإعلام والاقتصاد. ولأن دول العالم الثالث كانت المتضرر الأول من النظام الدولي السابق القائم على الثنائية القطبية شرق- غرب ومن كل النظم الدولية السابقة في القرنين السابقين، فقد كانت  السباقة بالدعوة إلى المطالبة بدمقرطة العلاقات الدولية من داخل منظمة اليونيسكو يؤيدها في ذلك الأمين العام آنذاك للمنظمة. أما المطلب فكان “دمقرطة النظام الدولي اقتصادياً وإعلامياً بشكل يسمح لهذه الدول العالمثالثية بالتنمية الاقتصادية والمشاركة في تدبير الشأن الدولي“. وهو مطلب يقوم على تأسيس نظام عالمي جديد مبني على قيم التعاون والتضامن  والتقارب والتعايش… لكن المطلب أثار غضب الولايات المتحدة التي انسحبت  من منظمة اليونيسكو عند نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، جارة وراءها ربع ميزانية المنظمة فأسقطت بذلك أمينها العام آنذاك كما أسقطت المطلب في شقه الإنساني  العادل.

 

لكن مع  انهيار الاتحاد السوفياتي وانتصار الولايات المتحدة الأميركية في حرب الخليج الثـانية سنة 1991  وخروجها للعالم دركياً وحيداً أوحدا، عادت لتستحوذ على المشروع العالمثالثي، “النظام العالمي الجديد“، اقتصادياً وإعلامياً مع إلباسه ثياباً إمبريالية وإفراغه من مضمونه الديمقراطي  ونَفسه العالمثالثي، مكرسة بذلك واقع هيمنتها على العالم وتبعية هذا الأخير لها ولشركائها عبر فلسفة جديدة في تدبير الشأن الدولي: “العولمة”.

 

بذلك أضحى العنف المادي  والرمزي على الدول العالمثالثية  مضاعفاً، وأصبحت الهيمنة أكثر شراسة، بحيث لم تعد تقتصر على التأثير والضغط على  مراكز القرار السياسي في الدول الصغرى، بل تعدته إلى الهيمنة على أفراد تلك الدول مجتمعين أو منفردين،  مستفيدة من امتلاكها لوسائل الإنتاج الجديدة في الثورة المعلوماتية.

ودفاعاً عن التقارب بين الشعوب وثقافات الشعوب وحضاراتها، وجدت “العولمة“، التي  تتقصد تحويل كل الثقافات الإنسانية- على غناها- إلى ثقافة واحدة، ثقافة الحضارة الغربية المهيمنة، وجدت نفسها أمام “مضاد حيوي ثقافي” يتغيا تنمية روح الحوار بين الثقافات الإنسانية وتقوية الوعي بالانتماء لكوكب واحد  وترقية الفكر والخطاب والسلوك الإنساني إلى مستوى الوعي بغنى الثقافات الإنسانية الكامن في اختلافاتها وتنوّعها. فإذا كانت “العولمة“  Mondialisation علامة مسجلة في الهيمنة اللامحدودة على رساميل الأرض المادية والرمزية تحت ضغط جشع الشركات الرأسمالية العملاقة، فإن “المثاقفة” أو”التثاقفAcculturation  تبقى علامة فارقة في الدفاع عن ضرورة التنمية وضرورة احترام  الاختلافات التي فُطرَ عليها الجنس البشري  والثقافات الإنسانية.

 

وإذا كانت بعض التنظيرات الفلسفية الجديدة قد أدّت دور المُبَشر لانطلاق “عولمة الهيمنة” وأسهمت إلى حدّ بعيد في إعطائها السند الفكري والمبرر الموضوعي، فإن الترجمة، على الجهة النقيض، أدّت ولا زالت تؤدي أدواراً طلائعية في حماية التنوّع والتعدّد الثقافي وتدعيم فلسفة “المثاقفة” والتقارب والتعايش بين الشعوب والحضارات.

 

كانت الترجمة توفّر دائماً الأرضية الصلبة للانطلاق والإقلاع الحضاري، من خلال تأسيس الأرضية المعرفية وتحديد الحدّ الأدنى من المعارف، التي لا يُقبل النزول تحتها إلى مستويات الجهل والاستهتار المعرفي. فالأمم لا تبدأ من فراغ، بل من الاستفادة من المترجمات التي ليست شيئاً آخر غير تجارب السابقين ومعارفهم وخبراتهم المحفوظة بين دفتي كتاب. فقد ترجم اليونانيون كنوز العلم والتنجيم والفن والرياضيات عن حضارات قديمة جاورتهم كالحضارة الفارسية والمصرية القديمة، كما انتعشت الثقافة العربية الإسلامية بفضل الدماء الجديدة التي سُكبت في شرايينها من خلال ترجمة التراث الهندي والفارسي واليوناني القديم، كما انتفضت أوروبا في القرن الخامس عشر مباشرة بعد ترجمة التراث الأندلسي الوافد من الغرب الإسلامي وكنوز المعرفة الوافدة من بيزنطة الآفلة، والترجمة هي الطريق نفسها التي مرّت منها اليابان، و التي بعثت أواخر القرن التاسع عشر ببعثات طلابية إلى أوروبا واكبتها حركة ترجمة لنفائس الإنتاجات الفكرية والعلمية الأوروبية…

 

إذا كانت الترجمة ضرورة لكل إقلاع حضاري، فإنها في المقابل تلعب دور تيرمومتر  قياس الدورة الحضارية، من خلال ازدهارها أو انحدارها أو انحطاطها. فحيثما ضعفت الترجمة وفترت وغابت، علت في الأجواء رائحة الانحطاط والاستبداد والاستعلاء العرقي… وحيثما ازدهرت  الترجمة، ارتفعت الواردات المعرفية والعلمية وتضخمت الصادرات الفكرية والفنية والأدبية، وانتفت مشكلة ضعف الشهية القرائية لدى القراء مع إغراءات العناوين اللامحدودة في المجالات اللامحدودة بالمقاربات اللامحدودة.

 

كانت الثقافة الإنسانية ولا زالت وستبقى ملكاً للجميع، فيما ستبقى باقي الثقافات الفرعية والمحلية روافد لها تغنيها وتغتني بها عبر الترجمة التي ستصبح ، باستعارة عبارة “فرانتشيسكو ليجيو“، شكلاُ من أشكال اقتسام الثروة المعرفية، وشكلاً من أشكال ممارسة الحق في المعرفة والعلم والفكر والمعلومة…

 

الترجمة وسيلة تواصل بين الشعوب من خلال الإسهام في ترويج الفكر الإنساني عبر نقله إلى لغات غير لغته. كما أنها عامل إنقاذ للثقافة من الغرق والحرق والإتلاف والضياع  والتهميش والإقصاء، من خلال إيداعها بنوك المعرفة الإنسانية والتاريخ الثقافي. فلولا الترجمة العبرية لأعمال الفيلسوف العربي ابن رشد، لضاعت “الفلسفة الرشدية” إلى الأبد.
وعليه، فالترجمة ليست مجرد فعل لغوي يُعنى بنقل نصوص من “علبة لغوية” ووضعها في “علبة لغوية أخرى”، إنها أيضاً فعل معرفي وثقافي وفكري وحضاري وجهته المصالحة مع الذات والتقريب بين الشعوب والتعايش  فيما بينها. كما تبقى  الترجمة الحجر الأساس لكل انطلاقة حقيقية ومفتاح الدخول إلى ثقافة العصر: “ثقافة التقارب والتعايش“.

 

لقد كانت الترجمة دائماً جسراً للتواصل بين الشعوب والحضارات على مرّ التاريخ، تعزّز التلاقي والتلاقح الحضاريّين، وترعى التقارب الثقافي بين الشعوب، وتدحض الصدام،  وتدعم الحوار  والتبادل الثقافيين بين أمم الأرض، وتسهّل التواصل بين الأمم، وتفتح النوافد على الثقافات الأخرى للشعوب الأخرى، ما دامت معرفة الآخر تقود تدريجياً إلى معرفة الذات من طريق “المقارنة” و”التواصل“، كما كانت تغني اللغات وتجعلها “حيّة” على الدوام، وتوفّر الأرضية للبحث والإبداع ليقف عليها أهل البحث العلمي والإبداع  قبل الشروع في أبحاثهم أو بناء نظرياتهم أو نشر إبداعاتهم…

 

لقد أسهم التقارب الثقافي، وشيوع تكنولوجيا القرب، ودينامية السياحة ومتطلبات العمل في الخارج، وقهر العزلة الفردية والجماعية، بالإضافة إلى التعرف إلى إنتاجات الآخر والاستفادة منها (= معرفة)  أو الاستمتاع بها (= فنون) في تنمية الوعي بقيمة الترجمة وبدورها وفعاليتها…


لكن، إلى أيّ حدّ انخرطت الثقافة العربية في فلسفة “المثاقفة” و”التثاقف“؟، وإلى أيّ حدّ مارست الثقافة العربية فعلها التأثيري في الدفع قدماً بـ”التقارب الإنساني” إلى أبعد مداه؟، وإلى أيّ حدّ تمكّنت الترجمة من تغيير وجهة الثقافة العربية من التقوقع حول الذات إلى الانفتاح على الآخر؟.

 

عن  ضعف الترجمة من اللغات الحيّة إلى العربية     

 

أشار تقرير لمنظمة (اليونسكو) التابعة للأمم المتحدة حول القراءة في العالم العربي، إلى أن المواطن فيها لا يصرف أكثر من 6 دقائق في القراءة في العام، ويشير تقرير التنمية البشرية في العام 2003 إلى أن متوسط القراءة السنوية للمواطن العربي هو 10 دقائق. وهناك أيضاً إحصائيات أعلنتها وزارة الثقافة المغربية تشير إلى أن مغاربة القرن الحادي والعشرين  يقرأون (2.5)  كتابين ونصف  في السنة فقط، في حين أن 1 من أصل 10 من المغاربة المتعلمين  لا يقرأون الكتب على الإطلاق… 

أمام هذه الإحصائيات الصادمة التي تنشرها التقارير الدولية  والوطنية، نتساءل: “لمن يترجم المترجمون“؟
ثم تتهاطل الأجوبة بالأرقام:

·        حين ينتهي العرب من ترجمة كتاب واحد تكون اليابان قد أنهت ترجمة 9000 كتاب!. ( مجلة ” زهرة الخليج“، مقال للروائية الجزائرية أحلام مستغماني، العدد 1118).

·        العرب لا يترجمون أكثر من 330 كتاباً في السنة (تقرير «التعليم العالي في البلدان العربية»، 2008).

·        البلدان العربية كلها تترجم 4.3 في المائة ممّا تترجمه ألمانيا … (جريدة الحياة، عدد 02/02/2006).

الحصيلة الكلية لما ترجم إلى اللغة  العربية منذ عصر الخليفة  المأمون إلى القرن الحادي والعشرين، بحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2003،  هو  عشرة آلاف 10.000 كتاب ؛ وهي تساوي حصيلة ما تترجمه أسبانيا في سنة واحدة وما تترجمه الولايات المتحدة خلال شهر واحد فقط. ومعنى هذا أن إسبانيا تتقدم العرب كل سنة بعشرة قرون، فيما تبتعد الولايات المتحدة عن العرب كل شهر بعشرة قرون…

 

كما أشار تقرير التنمية البشرية لعام 2003 إلى وجود حالة من الخمول في حق الترجمة الواردة إلى اللغة العربية. فعلى الرغم من ارتفاع عدد الكتب المترجمة إلى العربية من حوالى 175 عنواناً سنوياً  في بداية  السبعينيات إلى حوالى 330 كتاباً عند نهاية القرن العشرين، وهو لا يتعدى ربع ما تترجمه دولة صغيرة كاليونان، ويعادل تقريباً كتاباً واحداً لكلّ مليون من السكان في السنة بينما يبلغ 920 كتاباً في أسبانيا لكل مليون من السكان.

 

عن  ضعف الترجمة من العربية إلى اللغات الحيّة

 

هناك ما يناهز3000 لغة في الزمن الراهن منها 78 لغة فقط لها أدب مكتوب. ومن هذه اللغات الثمانية وسبعين، ثمة أربع لغات حيّة لاغير تتوفر على مقومات الصمود والاستمرارية على المدى البعيد: اللغة الصينية كلغة ربع سكان الأرض، واللغة الإنجليزية كلغة للتقنية والعلوم، واللغة الإسبانية كلغة للأدب الحديث على امتداد قارتين، واللغة العربية التي تجمع بين اللغة التواصلية والطابع القدسي، نظراً لكونها لسان رسالة دينية….

 لكن، على الرغم من الوضع المتميّز للغة العربية، يمكن تسجيل ملاحظتين:

الملاحظة الأولى، أن عدداً غير يسير من الأدباء العرب (السوري رفيق الشامي الذي يكتب بالألمانية، اللبناني نبيل معلوف الذي يكتب بالفرنسية، المغربي محمد الصيباري الذي يكتب بالإسبانية) يهاجرون من الكتابة باللغة العربية إلى الكتابة بلغة أخرى لأسباب مغايرة لتلك التي دفعت الأديبين النيجيريين وول سوينكا wole soyinka  وتشينوا أشيبي Chinua Achebe للهجرة من لغات محلية صغيرة، مثل إيغبو IgboويوروباYoruba النيجيريتين، إلى الكتابة باللغة الإنجليزية، أو تلك التي دفعت الروائي الكيني نغوغي  Ngugi إلى الهجرة من اللغة السواحلية إلى الكتابة باللغة الإنجليزية، أو تلك التي كانت وراء هجرة  الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور نحو الكتابة باللغة الفرنسية.

 

أما الملاحظة الثانية فتتلخص في عدم اكتراث الآخر بالإنتاجات المكتوبة بهده اللغة، اللغة العربية. ففي محاضرة بعنوان “ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الألمانية”، ألقاها المترجم الألماني جونتر أورت في صنعاء (اليمن) بتاريخ  16/5/2005، نقرأ واقع الكتاب العربي المترجم إلى اللغات الحيّة عموما،ً واللغة الألمانية خصوصا،ً بالأرقام والمعطيات والتواريخ:

ففي البلدان الناطقة بالألمانية (ألمانيا، سويسرا، النمسا)، ثمة حوالى 500 كتاب أدبي لكتّاب عرب باللغة الألمانية. إلا أن ما تُرجم منها عن اللغة العربية هو حوالى 200 كتاب فقط، أما بقية الكتب وهي 300 كتاب فمعظمها مترجمة عن الفرنسية، وألّفها كتّابها بالفرنسية باعتبارها اللغة التي يكتبون بها، كما هو الحال لدى العديد من الأدباء في بلدان المغرب العربي. وقد يعود ذلك إلى ثلاثة  أسباب:

 

السبب الأول، سهولة عملية الترجمة من لغة أوروبية إلى لغة أوروبية ثانية، كما يعود ذلك إلى عامل ثانٍ مهمّ،  وهو الحرية التي يتمتع بها الكاتب العربي الذي يكتب بلغة أجنبية، لكونه في منأى عن الرقابتين النظامية والجماهيرية المسلّطتين على الأقلام في بلده الأصلي. 

 

السبب الثاني، أن الذين يهتمون بالأدب العربي في البلدان الناطقة بالألمانية،  معظمهم يقرأونه بسبب وجود صلة تربطهم  بالشرق، أي أنهم كانوا قد عاشوا أو اشتغلوا في بلد عربي أو يحبون الوطن العربي من وجهة نظر سياحية، أو أنهم يصادقون عرباً وما إلى ذلك، ونادراً ما نجد قارئاً ألمانياً يبحث عن أدب عربي من دون وجود دافع شخصي معيّن من النوع الذي ذكرناه.

السبب الثالث، أن تراجع “الحرية“  هو من العوامل الكامنة وراء ضعف الاهتمام بترجمة الإبداع والفكر العربيين. ففي ألمانيا، لا يزيد عدد النسخ المطبوعة لكل كتاب عربي مترجم إلى الألمانية عادة عن ثلاثة آلاف، وقلما يصل إلى عشرة آلاف، ولم تصل إلى ذلك المستوى إلا أعمال نجيب محفوظ بعد نيله جائزة نوبل في العام 1988.  بينما يبقى كتاب عربي واحد في مقدمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا دائماً ، وهو “ألف ليلة وليلة“؛ فعندما صدرت ترجمة ألمانية جديدة له سنة 2004، تحدثت وسائل الإعلام الألمانية عن ذلك فترة طويلة، وعُرض الكتاب للبيع في آلاف المكتبات في ألمانيا.

 

صحيح أن الطلب محدّد مهمّ للعرض، لكن ثمة معايير أخرى سابقة على العرض والطلب، بل هي صانعة العرض والطلب معاً، ومنها الترويج للصورة الإيجابية للثقافة العربية، والترويج لرموز ثقافية عربية ذات إشعاع إنساني. وهو ما يمكن تسميته بـ”صناعة الصورة الإيجابية لأعمال معيّنة أو رموز ثقافية محدّدة أو ثقافة بعينها“(محاضرة بعنوان “ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الألمانية” ألقاها جونتر أورت في صنعاء (اليمن) بتاريخ  16/5/2005.

 

الترجمة وصناعة الصورة الإيجابية عن الذات

 

الترجمة ليست “كم الواردات من نصوص الآخر” فقط، إنها أيضاً “كمُّ الصادرات من النصوص التي أنتجناها واخترناها لتمثلنا لدى القارئ الآخر“. ولذلك فالحديث عن الواردات الترجمية تحيلنا على “الصادرات الترجمية“.

وبقدر ما تسهم الترجمة في التعرف إلى الآخر في ثقافته وبيئته وشروط وجوده من خلال ترجمته واستيراده، فإن للترجمة دوراً فعالاً في ترجمة أعمال الذات بغية “تصديرها” من أجل ترويج صورة “إيجابية” عن الذات. ولقد كان الاتحاد السوفياتي يخصّص ميزانيات في حجم ميزانيات التسلح لرسم صورته من طريق ترجمة الأدبيات الماركسية وأشكال تدبير الحكم على النمط السوفياتي إلى كل لغات العالم. كما كانت بلدان مثل اليابان ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة – ولا زالت-  تفعل الشيء نفسه أيضاً. إذ إن “من لا صورة له، لا وجود له“، و”من صنعت له صورته، صنعت له معها أدواره”. و”من صنعت له أدواره، أضاع فرصته في الحياة.

 

اقتراحات للنهوض بالترجمة عربياً

 

-         وضع خطة استراتيجية وطنية للنهوض بالترجمة والتعريب

-         رصد واقع الترجمة (هواية، احترافية، تطوّع، مؤسسية…)

-         استشراف المستقبل (تقديم صورة إيجابية عن الذات وفرض احترام الآخر)

-         نقل الترجمة من الهواية إلى الاحترافية

-         جعل الترجمة عتبة الانطلاق وبوابة الحوار وعدسة تقديم صورتنا…

-         تنسيق الدول العربية، وتحمّلها المسؤولية، وتعهد كل دولة من الدول الـ 22 بترجمة 1000 كتاب خلال السنة   الواحدة كخطوة أولى وبسيطة، لتقفز العناوين المترجمة في الوطن العربي سنوياً إلى 22 ألف عنوان على وزن 22 دولة عربية.

-         ضرورة التفكير في الرقي بالترجمة إلى مستوى الاحترافية والجودة.

-         تنمية الترجمة بأشكالها الثلاثة: الترجمات الصادرة  والترجمات الواردة والترجمات المحلية.

 فالترجمات الصادرة  (وهي المترجمات المنقولة إلى لغات أخرى) تعني ترجمة أعمال الكتّاب المحليين الذين يكتبون  باللغة العربية إلى لغات أخرى. لكن هذا المجال لا زال حكراً على الروائيين والشعراء وأهل الكتابة والإبداع بلغة أجنبية، كالروائي الطاهر بنجلون، الذي ترجم أعمال محمد شكري، والشاعر عبد اللطيف اللعبي، الذي ترجم درويش وأدونيس وغيرهما. أما الترجمات الواردة (وهي المترجمات المنقولة إلى اللغة العربية) فتعني المشروع الإماراتي “كلمة” لترجمة الشعر، مشروع مصر لترجمة ألف كتاب…إلخ. فيما تعني الترجمات المحلية مترجمات أعمال كتّاب مغاربة وعرب إلى العربية إذا كانت كتاباتهم بلغات أجنبية؛ ومن أهمّ الأقلام التي تخصّصت في هده الترجمة الروائية المغربية الزهرة رميج، التي ترجمت مسرحيات عبد الطيف اللعبي “تمارين في التسامح” و”قاضي الظل”، ورواية نفيسة السباعي “نساء في الصمت”). وهذا النوع من الترجمة يبقى شكلاً من أشكال المصالحة مع الذات.

 


على سبيل الختم

ما من لغة إلا وترعرع فيها حب الذات والفخر بالذات والاعتزاز بالذات. فاللغة العربية هي لغة الضاد، واللغة الإسبانية هي لغة فونيتيكية، واللغة الإنجليزية لغة التقنية، واللغة الصينية لغة المقطع اللغوي…

 

أمام هذا المدّ التباعدي للغات، تظهر الترجمة بوظيفة مغايرة، “وظيفة التقريب بين اللغات والثقافات” من خلال التقريب بين طرائق التعبير والأساليب اللغوية في الثقافات الإنسانية مادام الجوهر والمضمون واحداً. فاللغة ما هي إلا بوابة لثقافتها وحضارتها. ولذلك، فترجمتها هي ترجمةٌ لتلك الثقافة، وتملّكٌ لتلك الحضارة، وهدمٌ لكل الأسوار التي تعوق هذا التقارب. فحيثما تقاربت اللغات، تقاربت الثقافات. وهذه هي غاية الترجمة الأسمى: التقريب بين الثقافات إن على مستوى المضمون أم على مستوى  الشكل، مع إضفاء طابع الخصوصية على المواد المترجمة قصد تأصيلها في بيئتها الثقافية الجديدة، فيصبح الكثير من هذه المترجمات أو أجزاء منها “قولاً مأثوراً” في هذه الثقافة أو “حكماً” في تلك …

الترجمة قيمة من قيم التقارب والتعايش والإنصات للآخر وإفادته والاستفادة منه. كما أنها سلاح ثابت الفعالية ضدّ “التمركز حول الذات” دفاعاً عن ثقافة “الانفتاح” على الآخر.

Share

يا رب

يا رب …

كلما نظرت الى تلك النجوم في السماء و اجتماعها حول القمر …ناديت يا رب

كلما نظرت الى هذه اللوحة الرائعة من السواد و البياض و اللمعان ..ناديت يا رب

كلما نظرت الى احتراق الحطب و اجتماع الشجر …كلما نظرت الى روعة البحار وما فيها من المرجان ..

ناديت ….يا رب

يا رب ..حذروني من النار و حرارة الجمر …قالوا لي انك تعذب الناس في القبر ..

يارب .. احببتك و اصبحت اسعى لأحصل على الأجر ..

يارب ..احببتك لانك خلقت الجنة و تدخلنا فيها برحمتك … يا رحمن

يا رب …

من أدعو سواك ؟ اذا ضاق علي زماني

من أشكو اليه ؟ اذا اشتد علي الأمر

يا رب احبك … وكيف لا ؟

اذا كنت أضل فتهديني و تذكرني عند الغفلة والنسيان

اذا كنت اعصيك فتغفر لي .. و تجيرني من النيران

يارب .. ما أعظمك .. ما أرحمك … ما أعدلك

حبي لك و حبي للقرب منك

حب … يتقاسمه جسدي .. وعقلي …و الفؤاد

شوقي الى رؤيتك و رؤية جمالك ..يزداد

كلما فتحت عيناي و شاهدت بديع صنعك

تحريك البنان …لوحدها معجزة و جمال ..

و جمال تكوين اجزاء الانسان ..

الوان الورود المتمايلة مع نسيم الربيع .. المائلة لجوار سنابل القمح في ذاك البستان ..و لمعانها تحت ضوء الشمس

ما اجمل المنظر !!!!!!

أقف .. لانظر الى حياتي .. و كيف رحمتني .. وكيف ساعدتني ..و كيف رزقتني .. وكيف كنت معي حتى في رحم أمي ..!!!

فلا استطيع حتى الوقوف …لان كياني يهتز .. وعقلي يستحي من جهله .. و قلبي من ضعفه ..

فيسجدون كلهم للواحد الديان ..

حبا … في جلاله و عظمته

رجاء .. في عفوه و مغفرته

و خوفا ..من عذابه

يا رب .. كلمة تتجلى على عرشها في مدينة الكلمات .. تنادي بها ذا الجلال والاكرام ..يا كلمة ينطق بها ما بين أضلعي .. فيزداد حبا و خوفا ورجاء.

يا رب .. حمدا لك على نعمتك في نطقنا لكلمة .. يا رب 

Share

عـن الغيــاب ، و أشيـاءَ أُخـرى ..طلال م.

عـن الغيــاب ، و أشيـاءَ أُخـرى ..

الأمل ، هو أن تسبقَ الذكرى ، أن يصحو بكَ الآخرين البعيدين كأنك أنتْ ،
الأمل ، هو أن تُقاوم .. لستَ مَهزوماً ما دُمتَ تُقاوم ،
الأمل ،هو اختزال موروث الماضي في استمرار لحظة الآن ،
الأمل ، هو رحلةُ الآنِ صوبَ الغد ، الأملُ هو الغد ..

حســن كراجــة ، نزيــه سنجقـدار ، و ابراهيــم المثنـى ..
ثلاثة من سفراء شباب الفكر العربي اختزلوا وجودهم الجسدي ليصبحوا بيننا فكرةً براقةً كأنها جسد ،
ثلاثةُ صُنّاع للحياة غافلهم الرحيلُ لموتٍ أو الاعتقال ،
غابوا دون أن يغيبَ أثرهم و دون أن تخبو شعلة الضوء قرب أسمائهم ،
حيث يتعمق وصف الاستلاب الإنساني بالعمق و التجدد و القدرة على العطاء كأنهم أشكالٌ صامتةٌ للتعبير ..
و ما الوجود إلا فعلٌ و منهجٌ نحن تحوّلاته ، و الحريّة و الانعتاق هما روحُ هذا الوجود ..

حسن كراجة، سفير مؤسسة الفكر العربي المعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلية، الناشطُ المجتمعي الذي دأب دائماً في البحث عن وسائل وطرق تنموية في قريته الصغيرة التي يعيش بها، وما العالمُ أكثر من بيتٍ وابتسامة وقرية صغيرة ..

بدأ حسن مشوار العمل المجتمعي بالتطوع مع نادي صفا الرياضي الذي كان يشارك في الحملة الوطنية لتشجيع القراءة والتبرع بالكتب، هو عضو في الهيئة الإدارية لمركز حنظله الثقافي، قبل حصوله على بكالوريوس في أنظمة المعلومات والإدارة استطاع أن يحصل على عمل مع مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي كمدرب للمهارات الحياتية لليافعين، بعد ذلك انتقل للعمل في نفس المؤسسة كمنسق لمشروع خلق مساحات آمنة للأطفال، كما عمل مع المركز العملي التنموي “معاً” كمنسق في مشاريع الشباب والأطفال التي ينفذها المركز.

كتب حسن على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يعتقل:
الــثــورة هـي المعــنى الحقيقــي للحــب ..

نزيه سنجقدار، الناشط الشبابي صاحب الابتسامة اللامعة والجسد النحيل، مثال شرعنة ثقافة العمل التطوعي كواجبٍ وكقصديةٍ أخلاقية تزرع البذور الأولى لبناء مفاهيم تفاعل المجتمعات، أحد أصغر الكتاب والباحثين على مستوى العالم، لديه من البحوث والدراسات مالم يتمكن من هو في ضعف عمره من إنجازه، لم يصدق أحد من أصدقائه خبر وفاته المفاجئ إثر عملٍ جراحي أجراه، كان يخبرهم دائماً بأنه سيعود سريعاً ليفاجئهم بشيءٍ جديد،  لكن ما لم يتوقعوه هو أن يفاجئهم برحيله السريع، بذهابه قبلهم للأمام، للعدم المخفي في لعبة الموت كجسد، والبقاء كفكرة ..
فارقنا نزيه كما أراد القدر، لكن أفكاره المتقدة لم ولن تفارقنا وستبقى دائما منهجاً ودرباً للشباب العربي ليكملوا بها ما بدأه ..

ابراهيم المثنى، الكاتب والناشط الشبابي الذي غافلته الحياة فاستعجلت رحيله إثر خيانة من عضلة القلب، ابراهيم الذي كان سفيراً لشباب الفكر العربي وأحد أهم رواد العمل المجتمعي في اليمن، نشر ابراهيم أولى مقالاته في الثانية عشر من عمره، له كتابات بالعربية، الإنجليزية والألمانية، عمل بنجاح في الكثير من المشاريع التي تستهدف الشباب وأطلق عدد من المبادرات التي تهدف إلى تمكينهم في المجتمع بالإضافة إلى تنفيذه عدد من برامج التوعية في مناطق مختلفة من اليمن، في العام 2010 بات إبراهيم أصغر عضو في الهيئة الاستشارية لمؤسسة الفكر العربي، وهو شريك عمل لمنظمة أوكسفام وخريج المعهد السويدي “يو أل في بي” وأحد الأصوات الشابة لمشروع اليونيسكو التعليم من أجل التنمية المستدامة ..

كان إبراهيم أحد المتحدثين في شتى المناسبات الدولية، بما فيها المؤتمر العام لليونسكو، والمنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط ، ومنتدى إسطنبول العالمي، ومنتدى جدة الاقتصادي، ومؤتمر “اليمن في المرحلة الانتقالية” في جامعة هارفرد، ومنتدى “تالبرغ”.

أخيراً، توجه مؤسسة الفكر العربي تحيةً لكل الشباب اللذين شاركوها رؤيتهم وإبداعاتهم ونشاطاتهم التي استحوذت على روح العمل في كل لحظة، وبأحر التعازي القلبية من عوائل وأصدقاء نزيه سنجقدار وابراهيم المثنى، كما تتمنى الحرية العاجلة لحسن كراجة، على أمل الانعتاق للجميع.

Share

صوت الموهبة!

بقلم خليل سعيد،
ليون، فرنسا ٢٥تشرين الثاني نوفمبر ٢٠١٣

      الطّفل الذي كنته كان يحلم بأن يُصبح مذيعا! لكن المسار وظروفه صنعا مِني مهندسا بالصّدفة…عندما أسأل نفسي بصدق عن حجم مسؤلتي وكمّ حريّتي في إختيارات الطفولة التي قادتني لهذا الواقع، يرتد إليّ الجواب بنفي وجود الإختيار في مساري الدّراسي بالكامل. لم يسبق أن سألي أحد عمّا أحبّ أن أكون، ولا إهتهم شخص بصدق لما كنت أحمل من أشكال موهبة طفولية. حتّى والديّ وبتقدير تام لجهدهما،إنصرفا بشكل كلّي إلى تدبير الشؤون اليوميّة لأبناءهما، فكانا كمعظم الأسر البسيطة مؤمنَين أن الأبوّة سلطة  مالية تضمن حصول الجميع على أساسيات الحياة، وإدارة أمنية تفرض سيادة الإحترام والهدوء داخل البيت، وأنّ الأمومة مؤسسة تجهيزية تسهر على تدبير المنزل ومستلزماته، وإدارة إجتماعية لا تملك غير مقدرة منح الدعم المعنوي، وأحيانا هيأة إستشارية أو مركز حفظ أمن عام يرفع الشكاوى والوشايات للسلطة الأبوية. فوجدت نفسي وحيدا داخل متاهات التوجهات في أبسط الإختيارات.

وبإعتباري الإبن البكر بين خمسة أبناء متوسط الفرق بين أعمارهم بين السنة والسنتين، فإنّ مسؤولية قيادة النموذج بل وصياغته كانت ملقاة على كاهلي الصّغير! شاءت الألطاف الإلاهيّة أن ألتقي في مشواري بأناس مدّوا لي يد عون تستحق الإمتنان ويندر توفرها اليوم في أقسام التعليم العمومي. أدركت على أيديهم قيمة التّفوّق في إكتساب محبّة الأساتذة وإحترام الرّفاق، ورضى الوالدين  وكان ذلك دافعي الوحيد للإستمرار. وقعت في حبّ اللغة والأدب بختلف أشكاله، وعشقت المسرح والشعر، وفي نفس الوقت تعلقت بالعلوم وأحببت إتقانها، كنت أرى أن الذكاء سيّد الإتقان بغض النظر عن المجال. وإستمرّ إستمتاعي الدّراسي إلى أن طُلب منّي في نهاية المرحلة الإعدادية الإختيار بين العلوم والآداب…والحقيقة أنّ لحظات الإختيار هي أشد إمتحانات لحرّية المرأ.

إنصعت للمنطق السّائد بمجتمعي الذي يجعل الأدب إختيار المتعثرين والحاصلين على أدنى الدّرجات في نظام يقيّم حجم النجاح فقط على أساس علامات الإمتحانات. إستمعت لصوت المجتمع الذي يرى الأدبي مشروع عاطل والعلمي مشروع موظف مضمون الدّخل. لم تصل إلى سمعي  كلمة محبّة في مفهوم الإختيار، ولا إرادة في تحديد القرار. لا أنكر أنني كنت معجبا بمنطق الرياضيات وكنت أرى إتقان الأدب موهبة قد تنمّى دون تدريس ، لكنّني أجزم أنني لم أختر بل لم يطلب منّي ذلك.

بعد سنوات كان عليّ من جديد ترسيم إختياري الدراسي، فذهبت لفرنسا فقط لأن مجتمعي يرى أن شواهدها  لا تُقارن بالشواهد الوطنيّة، ذهبت لأن وطني يرى أن كل ما تنتجه أرض نابولين إبداع لا قبل لنا بمحاولة مجابهته، سافرت لأن من يقود معظم مؤسسات بلادي لم يدرسوا على أرضها! بل إنني لم أختر حتّى تخصصي الذي سيحدّد مصيري المهني ومعه شكل المستقبل برمته، إذ إنسقت وراء تصنيفات طلبة الأعوام السابقة، والحجم المالي للمنح الدراسية في تجاهل تام لمضمون التكوين! لم أدرك فضاعة الجرم الذي إرتكبته في حق إرادتي ومشاريع المواهب التي كنت أمتلك إلا في نهاية المسار…ومع أو تجاب العمل حين إحتجت الشعور بمتعة الإنتاج وضرورة إستناده على الموهبة وعشق طبيعة المضمون.

فهمت متأخرا كيف يحضّر أبناء الغرب أنفسهم للتباري على جوائز نوبل مند الصّغر، أدركت كيف تنمى موهب الأطفال ليصنع منهم أبطال، ووعيت أن المعرفة تحمل  بعدا إنسانيا قبل كل شيء…كنت أرى فشل إختياري في كل إبتسامة حلواني يعشق مهنته، وبين سطور تنبع من روح أديب أو تناسق منطق أفكار كتاب فلسفة، وفي إستمتاع الرياضيين بحلاوة النجاح ولذّة التباري وروعة التتويج…ليتني إستمعت إلى نداء الطفل المذيع!

لازال مجتمعنا العربي للأسف يأد الإختيار والموهبة في صناعة الذّات بسلاح ضمان المستقبل وكسب العيش. إذ عجزنا عن بناء الموهبة من خلال الممارسة والتطوير، بل وإكتفينا بإكتشافها عن طريق الصدفة فقط أو إنتظار بروز نجمها على أراضي بلدان تفتح أبوابها للمواهب والعقول بإعتبارها أغنى الثروات لنعزّي أنفسنا بفخر إنتماءها لنا…نكون أبناءنا بمنطق للأسف غالبا ما يخلق أناسا وإن كانوا ناجحين على المستوى الظّاهري، غارقون في تعاسة القيام بأعمال لا يُحبّونها، فكيف نطالبهم بلإبداع في إتقانها؟
إنّ خلو العمل من معناه النّبيل كأداة للإستمتاع بالقدرات الخاصة و إفتقار التكوين الدراسي لتوجيه يقود أطفالنا لبناء مشاريع حياة مؤسسة على الميولات والمواهب، يحرمان أغلب شبابنا من القدرة على مجابهة السؤال الجوهري والأساسي: ماذا أحب أن أكون؟ ومن الطبيعي ألا ننتظر نهضة فكر أساسها الإنتاج والإبداع من مجتمع العيش فيه هدف ورسالة غالبيّته،  مجتمع يسود فيه منطق الشهادات ويتجاهل أهمية الموهبة والإتقان، مجتمع الحرف فيه والمهن تُفرض إختيار فشل دراسي، والأدب فيه تخصص الطلّاب المتوسطين، والجامعات توجه من لم يمتلك مصاريف المعاهد الخاصة.

الإستمتاع بالحياة والنجاح في تحقيق الذّات رهين بالإستماع لصوت الموهبة التي لم يحرم الخالق أحدا منها. والدّور  الأبوي الأوّل هو البحث عن بوادر المواهب في أطفالهم و عن سبل تنميتها، وإن لم تكن أفضل الإختيارات وفق منطق الجتمع. فوحدها الموهبة قادرة على وهب أصحابها أجنحة للتحليق   بأحلامهم صوب فضاء النجاح.
إن نهضة أمتنا لن تُبنى إلا على تحرير وصقل وتنمية مواهب أبناءها.

 

Share

حديث عن الشباب

الشباب هم الفئة الحية المنتجة بشكل دائم في المجتمعات بما يؤهلها لتكون ترمومتر حقيقي لقياس الحالة الحضارية لمجموعة بشرية .. فان اردت ان تتعرف عن كثب على الواقع الانساني لامة من الامم عليك اولا ان تتوجه الى شبابها لتطلع على اوضاعهم وتتلمس على طموحاتهم و تتعرف على طرق تفكيرهم واين ترسو نظرتهم للحياة من حولهم ..فنستطيع القول ان المحرك الدافع لنهضة الدول هم الشباب فان تعطلوا تعطل كل شيء معهم و يبدو هذا واضحا جدا في عديد التجارب التاريخية سواء السابقة او الحالية عن رفعة او انكسار المنحنى البياني للشعوب

ان الشباب في الوطن العربي تنطبق عليهم كل هذه الصفات مثل اقرانهم و اذ تقول الاحصائيات بتجاوز نسبة من تقل اعمارهم عن 24 سنة سبعين بالمئة من العدد الاجمالي لسكان الوطن العربي الذي تجاوز الثلاثمائة وستين مليون نسمة ، فاننا امام ثروة شبانية هائلة تتمتع بكفاءات ومؤهلات عالية لم تتح لغيرها من الاجيال السابقة بما يعني انها جاهزة للاستثمار بعيد الامد في خطط النهوض بالواقع العربي و تحقيق القفزة النوعية في منطقتي الشرق الاوسط و شمال افريقيا لبلوغ مستويات التنافس الحضاري العالمي مع الاقطاب الاخرى في شرق و جنوب شرق اسيا و شمال ميركا والاتحاد الاوروبي . ان التواصل بين نقاط العالم الحديث يتطلب لغة موحدة صنعتها الثورة العلمية والتكنولوجية و الفكرية التي مست ارجاء المعمورة ومن الواضح ان الشباب هم اقرب فئات المجتمعات لاتقان هذه اللغة و التحكم بها بما يشكل اضافة حيوية لبلدانهم في التواصل و التقارب و اذابة الجليد الذي صنعته المشاكل السياسية و الايديولوجية و تراكمات زمن الكهول و الشيوخ . ان هذا القول لا يجب ان يفهم انه نوع من تشجيع الحساسية و الكراهية بين مكونات الهرم العمري فلكل مهمته و وظيفته و لم يوجد لفكرة عدمية بل هناك حكمة خالصة لهذا التنظيم البيولوجي للكائن البشري . فنحن ندعو الى التكامل بين مختلف الطاقات مع منح الاولوية  دائما للمتجدد و القابل للتطور و التاقلم مع متطلبات العصر ومن هو معني اكثر من غيره بالمستقبل الذي سيصنعه لاجيال اخرى ستغدو شبابا مثله و تحكم عليه اما بالايجاب او السلب بالنظر الى ما يقدمه من انتاج يتيح لها فرصة اعتلاء كرسي الريادة بين الاخرين

ان هذه الصورة الوردية التي نتكلم بها عن الشباب لا تجعلنا نغفل عن الجانب الاخر من القضية وهو سلبية الظاهرة الشبابية عندما تنحرف عن خط الصواب ، فالشيء المفهم بالطاقة يمكن ان يستغل في خيره مثلما يمكن استغلاله في شره . والوقائع تثبت ذلك بما لايدع مجالا للشك .. اذ ان الشباب هم الاكثر عرضة للامراض الاجتماعية الخطيرة و اول من يكتوي بنارها ربما لحساسية تكوينهم الجسماني و العاطفي . لا نستند فقط الى الاحصائيات العينية التي تتكلم عن هذا الموضوع بل اننا نشعر به بحاسة الوعي الجمعي لندرك مدى الخطر المحدق بمستقبل الشعوب في حالة ابتعد شبابها عن كبينة القيادة المخصصة لهم وانشغلوا عنها بامورعقيمة لا تمتلك بعدا حضاريا .. ومن المؤسف ان البيئة العربية القائمة على مربع التخلف المتمثل في الاستبداد ,, الفقر ,, الجهل ,, المرض تغذي حالة الانحراف لتبقى الامور على حالها كاستقرار المسنقعات الراكدة الحافلة بالجراثيم و الميكروبات الضارة .. ومن مصلحة انصار ظاهرة التخلف و المستفيدين منها ان يستمر الشباب العربي في غيبوبته الى امد غير محدد حتى تزول نواة التغيير في المجتمعات العربية . لكن ما حدث في السنتين الاخيرتين خيب امال المراهنين على ابعاد الشباب من الساحة السياسية و الاجتماعية فقد فاجأتهم الطاقة الشبانية بصوتها الصاخب المنادي بالثورة و التغيير الشامل و عندها تأكدوا و تأكد العالم ككل ان الشباب العربي قادر على صنع البديل و صناعة تاريخ جديد لامته متى منح الفرصة و متى تجمعت فيه شروط النهوض والانتفاض على واقعه المرير

ان من الاشياء التي اخشى منها ان تتحول فكرة الشباب و اشراكهم في تحمل المسؤولية الى اداة للاستهلاك و شعار تتناوله الخطابات السياسية و المجتمعية دون ان تعي معناه او ان تكون مستعدة للايمان به عن حق ويقين .. فنحن بحاجة اليوم الى ان يتحد الشباب العربي ليشكلوا قوة ضاغطة نشطة في ميادين النضال والابداع المختلفة ليفرضوا وجودهم بشكل ملموس يتحدى سطحية الكلام الخشبي الذي يتناولهم . وانا متأكد ان تحقيق هذه الغاية هو حلم يراود كل شاب سواء كان ذكرا او انثى دون تفرقة و سيسعون الى تجسيده ليرى النور قريبا

 

Share