قراءة في التحصيل الدراسي بالعالم العربي

بقلم يوسف لمداسني*

منذ الصغر والطفل العربيّ ملزم بأداء واجبات منزليّة تُفرض عليه من طرف المدرّس بشكل شبه يومي، و التي غالبا ما تتسم بالطول والتكرار الذي يعلمنا “الفهم” عن طريق “الحفظ”، لا الفهم النابع من الملاحظة والتجربة والتفكير السوي والاستخدام المنطقي للعقل. هذا إذا استثنينا تجربة انبات حبّة الفاصولياء وتتبّع نموّها التي كانت رغم بساطتها محفّزة لنا وكانت أحد أفضل ما قمنا به في مدارسنا الابتدائيّة. وكمثال على ما قلت آنفا “جدول الضرب” والذي كنا مطالبين بحفظه عن ظهر قلب مرعوبين ومتوجّسين من ما ينتظرنا ان نحن خالفنا أمر المعلم. جدول الضرب هذا الذي ظلّ مرسوماً في ذاكرتنا كجدول يحتوي على أرقام وأرقام، قبل أن نفهم حقيقة ما يعنيه بعد عامين على الأقل، يجعل الناشئ يظن أن مادة الرياضيّات التي تعتمد أساسا على المنطق، أي العقل، أنها مادة حفظ ودليله على ذلك أن ما حفظه يساعده الآن على حل تمرين دون تفكير، بل بمجرد الاستذكار. هنا يطعن الطفل من حيث لا يدري و يظن أنه وجد العصا السحرية للاجتهاد والتي هي الالتزام بحفظ وحلّ كل ما يتواجد في المقرّر الدراسي الذي لا يرقى في الغالب أن يكون مصدراً للمعرفة، وهنا الكارثة التي سنطرّق لها لاحقا.

يكبر الطفل وتكبر معه أحلامه، فيحلم أن يصير مهندساً أو طبيباً أو إطاراً عتيداً وهو يظن أن التهامه لأوراق مقرّراته الدراسيّة هو المفتاح لذلك، يعمل بجدّ ويكدّ فتصبح الساعتان أو الثلاث المخصّصة للمراجعة و للواجبات يومياً في الثانوية العامة غير كافية له في تعليمه العالي، فيضطر للسهر وإمضاء أوقات أكثر لالتهام الأوراق حتى يحافظ على نجاعة وصفة نجاحه. فتُسلب منه، من حيث لا يدري، فترة مفصليّة من شبابه في التكوين الذاتي و البناء المعرفي الرصين، إذ من المفروض على الفرد في هذه المرحلة الاطلاع و الالمام بكل ما يستجد و السبر في أغوار ما سبق و ما يأتي من أحداث، وتكوين نظرة عن مختلف العلوم والحقائق، إضافة إلى معرفة سير الأعلام والمؤثرين ومن لهم الفضل في تغيير هذا العالم. بل ودراسة الآداب والفنون والدين والسياسة والفلسفة والالمام بعلوم الأحياء والفلك، وكل ما شغف فكرنا وكثر عليه سؤالنا في الصغر قبل الدخول إلى مدراس “الترويض الفكري”.

عيب أن نرى شاباً عربياً لا يملك وجهة نظر عن ما يجري من حولنا من أحداث، بل من المحتمل جداً أن لا يعرف اسم رئيس دولة مجاورة، و الأمَرُّ أن نجد من الأطر العليا من لا يستطيع أن يعبّر عن رأيه بلغة واضحة و متّزنة. نفتقد زماناً كان فيه العربي شاعراً، كاتباً، فقيهاً، فيلسوفاً، طبيباً وفلكياً، وآخر مترجماً، سياسياً، فيزيائياً، مفكراً وعالم أحياء في آنٍ واحد.

نكبر والغالبية قد بدى عليها مفعول ما كُرِّست المؤسّسة التعليميّة العربيّة على تلقينه، فتعلّب أفكاره ويحصر إبداعه يقصر مدى رؤيته، لتكتمل صورة المواطن النجيب الذي يكون في ظاهره طبيباً ناجحاً أو مهندساً موفّقاً لكن حقيقته ما هي إلا موظّف سام في الدولة يقبض مرتباً أفضل من غيره لا أكثر من ذلك.

لا يكون البناء السليم للمجتمع إلا ببناء الفرد بشكل يستقيم وقدراته الفكريّة وقيمه الإنسانيّة، فيكفي معاملته منذ الصغر كإنسان لا كوعاء قابل للملء في بداية الموسم الدراسي والتفريغ في نهايته، والعمل على تدجينه عاما تلو الآخر في مصنع اسمه المدرسة. يجب أن يترك له المجال للبحث والتجريب، والخطأ والتصويب، فيلمس ويحس، فإن أحس أحب، بالتالي أبدع بشكل يفوق ما يمكن تصوره.

*سفير مؤسّسة الفكر العربيّ، المغرب

Share

أضف تعليق