ماذا بعد الربيع؟
لا شك أن ما تسلسل من أحداث في بعض الدول العربية في الأشهر الماضية, كان له الأثر الكبير في عملية التغيير, التي كانت و ما تزال الشعوب العربية المظلومة تطمح, و تتطلع إليه, و تسعى من أجل تحقيقه, بغض النظر عما ترتبت عليه هذه الأحداث, من أمور سلبية وايجابية, حصلت وقد تحصل في المستقبل.
وما قامت به شعوب الدول العربية بما يسمى الربيع العربي, ما هو إلا الخطوة الأولى من عملية التغيير الجذري, وتحقيق مطالب جميع أطياف الشعب المشتركة, بالرغم عما أظهرته لنا هذه الثورات, من عدم تخطيط واضح المعالم, للخطوات المستقبلية, و ما هم سائرون عليه بعد كل خطوة, و هذا هو التحدي الأكبر لشعوب الوطن العربي بشكل عام, والدول التي سقطت أنظمتها على وجه التحديد, بشكل خاص هم الآن بحاجة إلي البناء من جديد, و تشييد أنظمة توافق تطلعاتهم و مطالبهم المشتركة, و كل مواطن الآن مسئول, و بشكل مباشر عن البناء و التطوير في وطنه, ابتداء من نفسه, بالتطوير من قدراته, ومهاراته, وصقلها وتسخيرها في تطوير وطنه في أي مجال كان, فالتغيير يبدأ من الذات.
و ما أظهرته لنا هذه الإحداث, من المشاركة الواضحة للشباب, وبروز طاقات وقدرات شبابية مبهرة, كقيادة الشباب للجماهير الغفيرة, و الإلهام في الحملات و التغطيات الإعلامية, والتعامل مع الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي, وإيصال صوت الشعب بكل الوسائل والطرق المتاحة للعالم, و اظهار طموح الشباب في تحقيق مطالبهم, بإقامة هذه الثورات وقيادتها,وما هذا إلا تأكيد على وعي الشباب ورقي فكرهم, وعدم اكتفائهم بالتذمر, وإنما عملهم وسعيهم الدؤوب نحو التغيير, و هذه علامة تدل على إمكانيات الشباب العربي, وتفهمهم لمجريات الأمور, وكيفية التعامل معها, وبما أنهم بدءوا أنجزوا هذه الأعمال, فهم وبكل فخر قادرون على إقامة ثورات ثقافية وفكرية في جميع المجالات, لارتقاء الوطن العربي بالمستوى الذي يجب أن يكون عليه.
وبالرغم من مطامع بعض الدول الأجنبية, و التدخلات الخارجية في شؤون بعض الدول من اجل استغلال هذه الأحداث لتحقيق مصالح شخصية, إلا أن وعي الشعوب العربية الكبير, جعلهم يتصدون لبعض من هذه التدخلات, فجميع الأعمال التي قام بها الشباب, كانت بمحض إرادتهم,و بوحي من قناعاتهم, التي لم تتأثر ببعض التدخلات الخارجية, فهم لم ينقادوا خلف مطالب لا توافقهم وهم منطلقون نحو التغيير.
وبما أن الشعوب العربية بها نسبة كبيرة من الشباب, وبما إن الشباب هم أساس المجتمعات العربية, وعماد المستقبل, فالوطن العربي بحاجة إلى تقوية هذا الأساس بكل إمكانياته, من اجل تحقيق وطن عربي ذي جيل قيادي ذي كفاءة و مسئولية, قادر على مواجهة التحديات التي قد تواجهه في الحاضر و المستقبل.
والمسؤولية اليوم كبيرة على الدول العربية, من اجل بناء و إصلاح أنظمتها, نظرا لعدم التخطيط المسبق الواضح لمثل هذه التطورات, وتغيير أنظمتها بما يكفل حريات الشعوب, وتحقق مطالبها التي ترتقي لطموحات الشعب, وتستعيد الكرامة التي سلبتها الأنظمة الدكتاتورية السابقة.
والطريق مازال في بدايته, بعد نجاح أول خطوة في عملية التغيير, وما ترتبت عليه هذه الخطوة من ايجابيات, و ما أظهرته لنا من أزمات في بعض الدول, وكما قال عبد الكريم بكار:(الأزمات تمنحنا فرصة للمراجعة والنقد وتجديد البنى الفكرية والأساليب), فهل ستتخذ الشعوب العربية منهجاً واضحاً لها في عملية التغيير؟ هل الشعوب العربية قادرة على مواكبة و مواصلة مسيرة التغيير بفعالية وهي تضحي بكل ما تملك في سبيل نجاحها؟هل هي مستعدة لتضحيات اكبر ومواجهة التحديات والعقبات التي ستواجهها و التي لن تكون باليسيرة؟و هل ستحقق الديمقراطية المنشودة والعدالة الاجتماعية؟فماذا بعد الربيع؟ أرجو من الله العلي القدير أن يحقق للشعوب العربية ما تطمح إليه من أهداف نبيلة متمثلة في حياة العزة والكرامة في ظل الديمقراطية وحرية التعبير من أجل الأفضل والأمثل, قال تعالى: (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
محمود البلوشي